الرئيسية | كلام ايف | يومياتي مع السرطان….مشاعري استفاقت من سباتها

يومياتي مع السرطان….مشاعري استفاقت من سباتها

بقلم: ميساء أبو غنام

 

 

 

أمام المايكرفون….يضع يديه على وجنتيه وقد ملل الانتظار وتذكير الجمهور بحتمية قدومي،ملل اصابه من تأخري وعدم وجود مادة طوارئ تنقذه تأخيري،موسيقى البرنامج تعيد نوتاتها على امل قدوم الاعلامية ميساء ابوغنام….مرت الدقائق الاولى وعرف المذيع عني وعن ارادتي في الحياة وللحظة اعتقدت انني نيلسون مانديلا اقاوم المحتل لا السرطان…..ربما احيانا يمكن وصف السرطان بالمستعمرات ذات الهوية الموحدة لانها معالمها واضحة الانتشار والاستفحال،هاتفي الخلوي لم يتوقف عن الرن والصديق المقرب لقلبي جورج قنواتي ولاول مرة اشعر بعصبيته من تأخري عن برنامج الساعة الحادية عشر صباحا حيث كنت أنا محور القضية….

 

 

 

 

 

 

كان خروجي من البيت متأخرا بسبب سهري الذي يلازمني يوميا وانا انتظر عيناي المترقبتان للحياة ولبزوغ الشمس حتى تغفو….ربما اعزو اسبابه احيانا الى العلاج واخرى للوحدة التي تعمر بيتي وربما حاجة للحب في احوال اخرى،لذلك لا اجد بدا من الجلوس امام اللاب توب الخاص بي وابدأ كغيري مسيرة الفيس بوك ما بين الاضافة والرد والتعليق والشكر والمجاملة،وحين ترمش عيناي استأذن الجميع وبفرحة عارمة ان جاء موعد الاحلام.

 

 

 

 

استيقظت من النوم والساعة التاسعة والنصف…. تأخرت و لبست ثيابي واخذت طفلتي الى الحضانة وتوجهت مسرعة الى بيت لحم للمشاركة في البرنامج عن دوري الريادي في مقاومة السرطان،وصلت حاجز قلنديا وقد نسيت انه يوم السبت والتفتيش الاكثر صرامة وكأن الفلسطينيون سيفيقون من ليلة قدرهم ليقتحموا القدس بدبابتهم،لاول مرة اتجاوز السرعة القانونية بالسياقة محاولة الوصول الى مبنى الاذاعة في الوقت المحدد،اليوم عطلة والشوارع خالية وما ان دخلت بيت لحم علقت بازدحام السيارات فالعيد قادم”احيانا اتساءل عن العيد ولماذا يسمى عيد وفعلا باي حال تأتي يا عيد…….سابقا كنت انتظره لاخد العيدية واسدد ديوني ولكن عيدية اليوم تذكرني بأيام التقشف”،وصلت مبنى الاذاعة واذا بجورج يستقبلي بين العصبية والابتسامة التي تملا وجهه معلقا”حليانة شو عاملة بحالك…..جيبولي اشي يغيرني”والاشارة هنا الى السرطان الذي صبغني بطلة ربما ابهرت المحيطين في….. الصورة النمطية التي نعرفها عن مرضى السرطان من شحوب الوجه وانطفاء العينين وانكماش الجسد وهبوط الطاقة،جعلت من اطلالتي المشحونة بالطاقة ووجهي الذي اعطيه عشر دقائق يومية لاعيد تشكيل العينين والحواجب والشفتين بريشة يدي التي ولو بالظلام تستطيع ان تتلمس فراغات الامكنة على تقاسيم وجهي جعلتني كمن يعدل وجهه على الفوتشوف….

 

 

 

 

 

سرت مسرعة وكأنني اخاف ان ينزلق زمان مقابلتي وتقل كلماتي عن الحد الذي ارغب تخطيه عن سرطاني بجسده وروحه وعمق المه وفرحته،صعدت الدرج مسرعة استذكرت كلمات من صديق ارسلها لي عبر رسالة الى هاتفي المحمول اشعرتني بتقلبات امزجتي”فايقة نايمة زعلانة فرحانة معصبة رايقة هادية مجنونة عاقلة ….بحبك شو ما كنت”

وصلت الاستوديو ووجدت المذيع عنان شحادة سيغفو على مقعده قائلا مع تنهيدة وصلت الاعلامية المتميزة ميساء ابو غنام واعطاني اعذارا لا محل لها….

 

 

 

 

 

“ميساء جاية من القدس ورمضان وغيرو المهم”وبدأ اسئلته الاعتيادية كأي مذيع وكأنه كان يتجنب فتح موضوع السرطان ولكنني لم اسمح له بالتردد بدأت بالحديث عن المرض ودخلت في حالة فلسفية من الحوار هي مزيج من الحب والعشق والانا والمجتمع والذكورة والانوثة والقدس ومحمود درويش والجسد والعاطفة والغريزة والسرطان ووووووو،شعرت للحظة ان هواء راديو بيت لحم قد هز من رنات ضحكاتي على المذيع الرائع الذي بدأ يعترف على الهواء انه لاول مرة يعجز عن محاورة ضيف بهذه القوة والصراحة ،كانت تلقائيته بالحديث رائعة ونظرات عينيه التي ملأها الاستغراب جميلة،احيانا تحدث عن شكلي واعتبره جميلا وعاد وقال لا اريد ان اتحدث عن الجمال ولكن ميساء نزعت الشعر المستعار وهي اجمل ومن ثم لا اريد ان اتحدث عن جمال الجسد وهنا قاطعته قائلة”لا جمال الجسد مهم وانا جمال جسدي نابع من روحي وانا كل يوم بصبح على جسدي واهم شي ثدي….

 

 

 

 

 

شعرت للحظتها وكأن صعقة كهربائية اصابت عنان وفتحت عيناه وانحنى بظهره الى الخلف والى الامام ووووووو…بقيت عيناه مذهولة….انتهت الحلقة وخرجنا من الاستوديو وبقي عنان مذهولا من شخصيتي واستمر في تكرار اعجابه وتركز الحديث لاحقا مع الموجودين عن سبب تطليقي لزوجي وفي لحظة ما جاء صحفي من جريدة الايام ….حينها كنت في نقاش مع مأمون الذي كان من قراء كتاباتي وربما شعرت انه يعرفني اكثر من ذاتي، صدمت بمدى اهتمامه بي على الرغم من عدم معرفته لي واعتقاده انني من غزة …..تحدثنا بالسياسة والمجتمع والثورات والسرطان والحلقة الاذاعية ورأيه بكتاباتي .

 

 

 

 

 

انهيت الاتصال بعد إشارة من عنان لافاجأ بالضيف جواد من جريدة الايام جاء خصيصا ليراني بعدما سمع الحلقة”انا كنت في طريقتي لمكان اخر وعندما سمعتك على الهواء جئت لاسلم عليك،عرفتك من خلال محمد صبيح من معا الذي قال لي قصتك،وجئت لاتعرف عليك”تحدثنا لساعة من الزمن واخذنا الحديث بالمجتمع والانتاج والبطالة وعلاقة الرجل بالمرأة ومفاهيم مختلفة….حينها قال جواد انت يا ميساء قضية وانت حالة ابيت ام قبلت….فانا الان ومع خبرتي استطيع ان اقيم الاشياء والاشخاص،انت قضية واستثناء…شعرت بداخلي بفرح يمزجه الرضاء عن الذات،لطالما ومنذ صغري ادركت قيمتي ولكن الاهل والمجتمع حاولوا تجريدي من قدراتي ليذوبوني بال نحن….كثير من الاوقات فقدت الانا تحت شعار العادات والتقاليد والدين….تساءلت وفي صغري عن خط المسموح وليس خط الممنوع،انا الان ولربما سمعت بحياتي اطراءات بعدد شعري المتساقط ولكن مصطلح قضية اعطاني بعدا اعمق وأوسع واشمل وانضج.

 

 

 

 

 

عادة وفي حديثي عن الانوثة والمرأة والروح ومتطلباتها اجد نفسي لا اتحدث عن ميساء بل عن كل النساء اللواتي يتمنين ان تفض بكارة انوثتهن الروحية….تحدثت بالحلقة عن احتياج مريضة السرطان للحب الذي به شبق العاطفة،يتصل بي جورج مدير الاذاعة ليقول لي ان والدته اعجبت جدا بي وبجرأتي وعلق انت مجنونة….اجبته ان الابداع لا ياتي الا من الجنون ولكنني اكدت له ان والدته فهمت ما اقصده لانها انثى وتشعر شعوري وربما يصعب على الرجل ادارك اهمية اللعب على الروح العاطفية المتدفقة عند المرأة لاخراجها من سبات مشاعرها،اشعر احيانا ان السرطان اصابني بسبب سبات مشاعري ولم لا فالثدي مخزن الحب والرغبة والعاطفة والحياة وحينما يكبت سيسرطن وربما قليل السرطان على حجم الكبت….

انهيت لقائي وعدت الى البيت افكر في تدفق عباراتي ومشاعري ونضجي وجنوني وفرحتي وغضبي وانفعالي وقبولي ورفضي……….كلها مشاعر تختلط علي واعجز احيانا عن تفسيرها او حتى تصديقها مع نفسي او مع المحيطين بي.

 

 

انتظرونا غدا مع حلقة أخرى من يوميات ميساء بعنوان احتاج لجنون رجل

popupsunsense