الرئيسية | كلام ايف | يومياتي …فقدان شعر رأسي

يومياتي …فقدان شعر رأسي

بقلم: ميساء أبو غنام  

 

 

 

بدأ يتناثر على جسدي ووسادتي وارضية حمامي وحتى طعامي،كنت متخوفة من رؤية رأسي ملامحه ولونه وتفاصيله….. بعد اسبوعين من الجلسات بدأ شعري يتساقط في كل مكان،لم اعد اسيطر عليه في الحمام وفي المشط وعلى سريري والارض وطاولة الطعام.

 

 

 

 

 

 

بدأت مشاعري تختلط علي وخفت ان ارى جلدة رأسي وشكله وتركيبته وكيف سأبدو….لم يتوقف الامر على رأسي بدأت ارى شعر جسمي يتساقط لمجرد ام امسح جلدي بيدي….يا الهي ما هذا اصبحت مثل الطفل ناعمة الملمس لا افرق بين الاماكن في جسدي،كلي خالية المعالم فلا شعرة تراود مكانها ولا فرق بين الايدي والارجل وتحت الابط والاماكن الخاصة والوجه”للحظة كنت اضحك واقول وكأنني عملت ليزر متكامل”ما اسهل الحمام حين تستعمل الليفة على الرأس كما هي على الجسم ومنشفة واحدة فلا حاجة لبشكير الرأس،لا حاجة للفرشاة ولا السشوار ولا اكسسوارات الشعر…شعور به مزيج من التفاؤل والخوف.

 

 

 

 

 

عشت طوال عمري وقد عهدت نفسي بشعر طويل ناعم منسدل على ظهري،احيان كثيرة كنت ارفض قص اطرافه خوفا من ان يقصر ولو لسنتمترات قليلة،منذ طفولتي عرفته بني اللون مائل الى الاشقر يتلائم مع لون عيني الملوزتين….كبرت معه عشت ملمسه تباهيت به،كنت صغيرة حينما صعب علي تمشيطه لانه كان اكبر من حجمي وعمري……….اذكر في احدى المرات حيث كنت في جيل العاشرة حين قصت امي شعري كثيرا وربطته وعلقته على حائط غرفتي ومن حزني بكيت لمدة يومين وهي تحاول اقناعي ان سينمو سريعا،كبرت معه تألقت بلمعانه الى ان دخلت مرحلة المراهقة وربما ما زلت اراهق حتى الان ولربما اكثر ولكن الفرق ان مراهقتي الاولى كان شعري جزءا منها والان اراهق بعيدا عن ثقله لاجعل روحي اعمق وانضج واجمل في مرحلتي هذه…..فلا حاجة ان اتمايل مع خصلات شعري لالفت نظر المقابل لي بدلعي وانوثتي او مثلا ان ارفع جزءا منه لابدو في اوج انوثتي.

 

 

 

 

 

اشعر احيانا انه ستار يغطي ملامحي وتفاصيل وجهي وانكشف لابدو اكثر وضوحا وشفافية…….وصلنا لمراهقتي الاولى المسلوبة المعاني حيث كنت هادئة مقموعة اخرج من بيت اهلي متوجهة الى المدرسة اسير في شارع طويل حيث الحافلة التي تقلني وقبلها ساعة امام المرآة وانا ارسم تفاصيل الغرة وارفعها للاعلى لابدو في اجمل حالاتي ربما لالفت نظر احد الشباب حيث كنت امر من جانب بيته في توقيت خروجه ….لم نتحدث قط مع بعضنا كانت مجرد نظرات خجولة من مراهقة خجولة…حينها اعتقد ان صديقه كان اكثر انجذابا لي وكنت مسرورة لذلك وربما كان شعري مفتاحا لشده لي،حينها لم يكن جسدي كما اليوم حيث اعتبر امرأة ناضجة المعالم بجسدها مما يسقط اولوية الشعر.

 

 

 

 

نعم أصل مدرستي واجلس في الحصص وانا افكر بذاك الشاب واعيش لحظات احلام اليقظة على نظراته واهتمامه وربما نظراتهما واهتمامهما واعود لمراتي قبل الخروج من المدرسة لاعيد تصفيفة خوفا من ملاقاتهما حين العودة….ولو عاد بي الزمان لا افكر في كليهما ولكنها مراهقة اولية تخرجنا من قمع عاداتنا وتقاليدنا في العلاقة مع الاخر لنعيش حالة ذاتية مسجونة بسحر اللقاء وكأننا نريد كسر ممنوعات رغباتنا……

كبرت وقررت تغير لونه….اعتدت على امي تغطي شيبها بالحناء فبدأت اصبغ شعري باللون الاحمر،واصبحت عادة امارسها كل يوم جمعة اعجن الحناء واخلطها بالبيض والبابونج والنعنع والميرمية واللبن وزيت الزيتون واضعها على رأسي وحين اتوجه الى الحمام لازيل الحنة اخرج وقد تبعثرت على الارض وحيطان

 

 

 

 

 

 

المكان،لاسمع من امي صرخات “كل يوم جمعة بتوسخيلي الحمام،الواحد بيحني مرة كل شهرين مش كل اسبوع ،بكرة بتتجوزي واعمل هادا الشي ببيتك…..واذكر الان وبعد ان تزوجت لم اضع الحناء الا القليل خوفا من الوسخ هههههههههههه..يا ريتني بقيت عند امي احني وما اتجوزت بفكر مرات انو السرطان صابني من كتر ما عشت لحظات قاسية مع الزواج”.

 

 

انهيت دراستي الثانوية وتوجهت للدراسة بجامعة بيرزيت،اذكر انني حين كنت ادخل بوابة الجامعة الى قاعة المحاضرات وجميع الطلاب ينظرون الى شعري المنسدل على ظهري بلونه الاحمر الغامق،واذكر احد الزملاء الذي قال لي “بتعرفي الواحد بيتمارى على شعرك من كثرة لمعانه”وايضا كانت الطالبات يسألنني ماذا تضعين على شعرك ليبدو بهذا الجمال،ويسألنني هل تسحبيه يوميا “بالسشوار”كنت اجيبهم وبدلع انثى لا طبعا ان نوع شعري مالس كالحرير….جلست وفي احدى الليالي على التلفاز ليلة رأس السنة استمتع بالسهرات اللبنانية وكيف يستقبلون العام الجديد خصوصا ان عائلتي ترفض السماح لي بالسهر على اعتبار اننا عرب وهذا ليس من عاداتنا وديننا….

 

 

 

 

 

 

المهم رأيت هيفاء وهبي وقد اطلت بحديثها المتصنع وكأنه انوثتها تخرج فقط من فوهة صوتها مع حركاتها الجسدية ذات الايحاءات الجنسية المبرمجة والنمطيه وللحظة رأيت لون شعرها الاسود وربما هو الشي الوحيد الحقيقي بها….قررت حينها ان اغير لونه الى الاسود وفعلا احضرت الحناء السوداء وبقيت مصرة على جعل حمام امي اقرب الى لون اسوداد شعري…في اليوم التالي توجهت الى الجامعة وقد تغيرت ملامحي بدوت لربما اجمل واذكر حينها الدكتور مجدي المالكي استاذ علم الاجتماع في الجامعة حين رآني وقد تسمرت عيناه….عشقت اللون الاسود ورأيته متلائم مع شخصيتي الحارة ذات الطاقة العالية،حينها بدأ المحيطون بي نساء ورجالا يعززون مفهوم انت امرأة مغرية والبعض يقول لون شعرك مع عيناك يجعلك اكثر جاذبية تمسكت باللون الاسود وبدأت ازيده سوادا واحضر الصبغة المكتوب عليها”اسود اسود”….ولفترة ما قبل السرطان تركته يطول مع اسواد لونه حتى ان البعض كان يسألني اهو حقيقي ام باروكة….وانا اؤكد جماليته واسير”يا ارض اشتدي ما عليك قدي”.

 

 

 

 

 

 

تعرفت على طليقي بالصدفة….انبهر بشعري واصبح ينتظرني على حاجز قلنديا ليوصلني الى الجامعة وهو مفتون بالخيمة المنسدلة على ظهري…لا انسى تلك اللحظة القاسية حين سقط شعري وكان يجلس امامي قائلا”لو بدي انام معك بدون شعر بحس حالي نايم مع زلمة”الله ما اصعب هذه الكلمات….للحظات اشعر ان خلعي له قليل على هذه الكلمة،احسست انه فاقد الاحساس، احصر انوثتي وعقلي وروحي التي هي اهم مكونات شخصيتي بخصيلات شعر سقطت اجبته حينها”انت اتجوزتني عشان شعري بكرة الشعر بيرجع واشقر شو بترجع تلحقني وتستناني على حاجز قلنديا”.

 

 

 

 

 

قبل اكتشافي للسرطان بشهرين توجهت الى عرس ابنة خالي ودخلت بوابة القاعة وكان شعري في اعلى درجات تألقه،دخلت القاعة وبدأت انظار الجمهور تتجه الي حينها قبلت خالي وباركت له الزواج وسأله احد اصدقائه من هذه زبيدة ثروت فأجابه خالي لا انها نادية لطفي……ضحكت حين تذكرت هذا الموقف حين اعلمني طبيبي في المستشفى انني ساخذ العلاج الكيماوي.علمت باصابتي بالسرطان ولم افكر حينها بالشعر وتساقطه الا حين ابلغت بالعلاج،وبدأت احضر نفسي لاحقا لحياتي الخاليه من الشعر،اذكر صديقي ابو سلامة الذي احضر لي جريدة لنساء يهوديات بدون شعر وقد بدت علامات الفرح على وجوههن…. حينها شعرت بالسعادة لان وجوههن كانت جميلة واخذت الجريدة واريتها لرئيس تحرير جريدة الحياة الجديدة حافظ البرغوثي الذي قال لي انه يرى المرأة بدون شعر اجمل.

 

 

 

 

 

ابلغت من طبيبي بموعد جلسات العلاج الكيماوي وطلب مني قص شعري الطويل ليكون اسهل علي استيعاب تساقطه،اخذت طفلي وطفلتي وبدأت البحث عن صالون لذلك الى ان دخلت منطقة كفر عقب بالقدس ورأيت احد الصالونات……..نظرت لي سيدة في الثلاثينات من العمر قائلة ماالذي تريدين عمله،اجبتها لا ادري فاستغربت”شوفي انا معي سرطان وبدي اقص شعري اي شي انا عمري ما دخلت صالونات ولا عملت بشعري اي شي قصري للكتف”وفعلا قصصته وخرجت للشارع مسرورة وانا احمل شعري المقصوص المجدل،رأيت بالقرب من بيتي ابن مربية ابنتي بالحضانة الذي قال لي”انت حلوة كيف ما انت وبعدين قصة شعرك بينتك اصغر”سررت لذلك وانتظرت زوجي ليأتي وارى ردة فعله على شعري،دخل وتأملني وابتسم،لم افهم ابتسامته انه جميل او خسارة او شفقة.

 

 

 

 

 

بعد تساقطه المستمر قررت ازالته نهائيا وبدأت ابحث عن بدائل….توجهت في يوم ماطر الى احد الصالونات في رام الله وحين دخلت المكان وانا اضع طاقية على بقايا شعر،نظر لي قائلا “اهلا مدام انا اعرفك”…الست الاعلامية ميساء ابو غنام اجيبته بالايجاب،فرد قائلا ولكنك متغيرة الشكل على الرغم من دخولك الذي يشعر من يقابلك بثقل مكانتك،في لحظتها قلت”انا معي سرطان وبدي اقص شعري على الاخر لانو ازا بمشطو راح يفرط بين ايدي،فقال لا تخافي هلا بنلاقي طريقة لحل هذه المشكلة لحد ما تلاقي باروكة”الشعر المستعار”…قصصته على الطريقة الفرنسية وخرجت للشارع حينها قال لي طارق عمرو المدير العام في جريدة الحياة الجديدة ازيليه نهائيا…فقلت له تدريجيا حتى يعتاد المحيطين علي،وبدأت وانا متعبة مثقلت الجسد والحركة بسبب العلاج ابحث عن باروكة في احياء اليهود المتدينين،وبعد ساعات طويلة من البحث وجدت واحدة لونها اقرب الى لون شعري الطبيعي ولكن سعرها 4500 شيكل ما يقارب 1300 دولار.

 

 

 

 

لم اشترها ولكن فكرت العودة اليها الى ان قابلت شخصا عانت زوجته وابنته من السرطان واطلعني على مكان في رام الله يبيع شعرا مستعارا بقيمة 200 شيكل،حينها توجهت اليه وبدأت اخذ جميع الالوان والموديلات وبلحظات اقصها حسب الموديل الذي اريد،وارتدي الباروكة حسب لون ملابسي ونفسيتي واحتار الناس بي لدرجة ان الجيران اعتقدوا ان مجموعة من النساء تعيش في الطابق العلوي من العمارة،وحين اضيق ذرعا من الباروكة اخلعها واسير بدونها واعلقها على يدي.

 

 

 

 

 

مواقف عديدة استذكرها وضحكاتي تملأ فمي حين ادخل جريدة الحياة والقي بالباروكة على احد المكاتب وحين اخرج اسألهم اين شعري…لم يكن سهلا على زملائي استيعابني بدون شعر وقد عهدوه منسدلا على ظهري ما عدا رئيس التحرير والمدير العام الذين يشعرونني دائما انني اجمل بدونه،ما اجمل ان تسير في شارع وترى الشارع يقف على قدم ينظر اليك ما بين مستغرب وبين ضاحك وبين معلق”شو هالموديل”وبين راغب بالتعارف وبين من هذه؟؟؟ اما في القدس ينظرون لي بصورة مختلفة حيث يعتقد البعض انني شاذة جنسيا ويلتفتون الى اذني بحثا عن القرط وعندما يجدوا اقراطي عادية يزيحون الفكرة عن ذلك لارى ابتسامة هي مزيج من الشك بين المرض والموديل.

 

 

 

 

 

قبل يومين زارني عمي في بيتي وكان للمرة الاولى التي يراني بها بدون شعر،وقبل ان يجلس قال لي”عمي انت عاملة الحرام تنين اول شي انك مش محجبة والشي التاني تتشبهين بالرجال”فأجبته “هو الله اللي بلاني بالمرض بدو يحاسبني اني بتشبه بالرجال اتفضل واقعد”وايضا عماتي اللواتي لم يستوعبن رؤيتي بدون شعر واحيانا ارى الدموع تتساقط من عيونهن وابي الذي يطلب مني دائما ان اضع الطاقية على رأسي اما امي ربما رأتني فقط على الفيس بوك،ورغم ذلك كان ابنائي الاطفال اكثر من احبني واستوعبني كما انا………..ما اجمل طفلتي حين تحمل باروكتي وتقول”ماما امشطلك شعرك”وابني الذي لا يرى مكانا سوى رأسي ليشعرني بحبه من خلال حركات يديه ويقول لي “الاولاد بقلولي امك مريضة وانا اقول لهم شو يعني”الا انه يوم اول امس حين توجهت معه الى مدرسته قال لي “ماما حطي الطاقية قلتلو ليش يا ماما لازم تفتخر بماما كيف هي “فأجاب خجلا”لا انا قصدي عشان الشمس”.

 

 

 

 

كثيرة هي المواقف فأنا لا اتوجه الى المستشفى الا عارية الرأس وربما انا الوحيدة من المريضات بالسرطان تتجرأ على كشف عورتها في الجزء الاعلى من الجسد،واحيانا ارى الممرضات والاطباء والمرضى ينظرون لي فرحا على جراءتي ودائما اقول “هذه انا ميساء سواء معي سرطان او لا اقبلوني كيف انا”وفي لحظات اخرى افضل وضع الباروكة لانني ارغب السير بالشارع بخصوصيتي حينها لا اتحمل النظرات التي تغتصب زجاج سيارتي.

 

ومرات عديدة يسألونني “ليش حالقة شعرك على الصفر…بقول احتجاج على غلا المعيشة”.

ربما هنا اكن احتراما لصديق لي،حين يغمرني بحبه ونحن نجلس في مكان ما من هذه الارض واستأذنه خلع شعري المستعار يجيبني”انا احبك مع شعرك وبدونه انا بحبك انت وبحب وجهك الجميل وروحك”.

من الغريب احيانا ان يكثر المعجبون بك لمجرد انك فقدت شعرك….لطالما اعتقدت ان الشعر تاج للمرأة ولكن بعد السرطان لا….فالقصة اذواق وكثير من الرجال يرغبون المرأة الصلعاء…احد اصحاب البقالة في القدس قال لي”ما عرفتك وانت جايه فكرتك روسيه “واخرون قالوا لي واو كعارضة ازياء وايضا غيرهم عرض على الزواج”خايفة بعد ما يطول شعري يطلقني ههههههههههه”،اعتقدت ان السرطان يخيف الناس ولكنني محظوظة وكنت استثاء في ذلك و اكن احتراما لجميع مع وقفوا معي في ازمتي، شعرت حينها ان السرطان زاد حبي وحب الناس لي…بل على العكس كان تجربة اخفت معاناتها حب المحيطين بي،وانا الان بعد السرطان شقراء فشعري الوبري حديث العهد أشقر اللون.

 

 

 

 

 

مرات عديدة اشعر انني استثمر مرضي كبطاقة “في اي بي “حين يراني شرطي اتحدث بهاتفي المحمول ويريد مخالفتي اقول له انا مصابة بالسرطان وازيل الشعر المستعار لاستعطفه وابلغه انني اتحدث مع طبيبي،او حين اقف في مكان ممنوع ولا اريد ان اتخالف،ومرات اخرى حين اتوجه لمؤسسات تحتاج للانتظارولا يسمح الوقت بي فأستخدم السرطان وسيلة لاجتاز حدود الزمن،وعلى الحاجز العسكري ازيل طاقيتي او شعري المستعار حتى يعتقدوا انني غير عربية ولا يوقفونني،واوقات اخرى ادخل اصدقاء لي من حملة الهوية الخضراء بدون تصريح الى القدس واستغل شكلي الاقرب الى الغرب لذلك خصوصا ان الجنود يعرفون ان لا عربية تخرج للشارع بدون شعر….. ومواقف عديدة خدمني بها رأس العاري وحصلت على تعاطف كبير….ليست الازمات احيانا الا مفتاح نجاة لاشياء اخرى واشعر في كثير من الاوقات انني انتهز الفرص مع السرطان بشكل جيد.

 

 

 

popupsunsense