الرئيسية | كلام ايف | العقل النسوى العربى ومخاوفه .. دراسة

العقل النسوى العربى ومخاوفه .. دراسة

بقلم : ياسمين ياسين – القاهرة  

 

عقول النساء العربيات برمائية ومليئة بالخوف .. تلك نتيجة دراسة أجرتها الكاتبة والباحثة السورية كلاديس مطر بعنوان “تأخير الغروب” حيث أكدت كلاديس أن العقل النسوي العربي له خصوصية ويختلف عن عقل الرجل، لكنه مغاير للعقل النسائي الغربي أيضا، لأسباب تاريخية وعلمية ، وهو سريع التأثر على الرغم من قدرته المهولة على التحمل ووصفت الدراسة عقل المرأة العربية بالـ “برمائية” حيث أنه يعيش تحت الماء وفوق الماء وفي أكثر المناخات قسوة وتبدلا ، وهو من العقول الأكثر مواربة في التعبير عن نفسه ومحجوب وربما ما زال يعيش في فترة ما بعد الصدمة الطويلة وأيضا “ملئ بالمخاوف”


 

وحول تلك الدراسة تقول كلاديس “من الأشياء التي لفتتني في العقل العربي النسوي هو هذه النزعة لديه – ربما اللاواعية – لتأخير الغروب الجسدي بطرق شتى، فالمنظومة القيمية الاجتماعية والدينية التي تتناول المرأة في مجتمعنا العربي، تركز كثيرا في تقدير قيمتها انطلاقا من خصوبتها وجمالها وقدرتها على جذب الانتباه، وهذا أمر منهك بشكل كبير للعقل والروح” ، وترى كلاديس أن هذا العقل النسوي في طريقه لتأخير الغروب يتعلم أن يفكر ويتصرف بطريقة معينة قهرية في أغلب الأحيان وربما انتقامية بإحدى تبدياته ولكنها متألمة في كل الأحوال، وغير سوية بل عاجزة عن خلق هذا الحوار الوجداني الحقيقي مع الذات ومع الرجل، وبطبيعة الحال مع الدنيا حولها

 

مخاوف عقل المرأة

 

وقد تعرضت الدراسة لأبرز خمسة أنواع من المخاوف التى يعانيها العقل النسوي العربي، كما تميز بين خوف يجب التغلب عليه وخوف صحي، وأنواع الخوف التى يجب التغلب عليها هي الخوف من البقاء وحيدة، والخوف من أن تدفن حية، والخوف من الحرية، والخوف من المتعة، والخوف من المسؤولية. ورأت أنها مخاوف تراكمت عبر السنين وشوهت كثيرا من بنية هذا العقل وحبسته ضمن فترة زمنية معينة ومحددة، لم يعرف كيف يخرج منها إلى الآن أما الخوف الصحي، فهو الخوف الذي يبعد عنها المقاربات غير المستحبة، وهو ليس خوفا بقدر ما هو حذر وانتباه

 

وكانت مشكلة الحجب واحدة من القضايا الإشكالية التي بحثت فيها الكاتبة لتتوصل إلى أن هذه المشكلة تكمن في عدم قدرة عقل المرأة على التعامل مع فكرة القانون كتشريع من أجل حياة أفضل تتناسب مع المعطيات الطبيعية لهذا العقل المشرع ، فالقانون هو الفكرة المفتاح في مجمل دراستها، مثال على ذلك، قوانين العلم .. فالعلم في مسيرته يتقدم ويتماشى مع قدرة العقل على فهم الأشياء وهكذا، فإن هذه القوانين التي توصل إليها العلم تنطوي على ميزة التفسير والتنبؤ العلميين وحين حاول العقل العربي الاقتراب من هذا المفهوم الطبيعي للقانون اصطدم بأمر إشكالي وهو أن هناك ربطا بالمعنى الديني والاجتماعي للكلمة بين الأخلاق والقانون على الرغم من تباينهما في الهدف. فالعقل العربي في جزء كبير منه غير قادر على التعاطي مع مفهوم القانون كما هو، فيضع هو بنفسه قوانينه التي تعبر عن حاجاته وصراع أدواته وحين أقول إن العقل العربي هكذا، فإن العقل النسوي هو أيضا كذلك، ولكن بشكل مضاعف طالما أن المرأة كانت طوال فترة وجودها، إما خاضعة لقوانين الدين وإما لقوانين المجتمع الذكورية”

 

وتعتبر كلاديس مطر أن عقل المرأة العربية منهك ليس بسبب التاريخ التعسفي الطويل فقط، وإنما بسبب إقصائه وبعنف عن أي إمكانية استخدام ملكاته ،وتقول إن عقل المرأة العربية تعرض للتشويه في بنيته وأيضا إلى تشويه صورة المرأة الحقيقية عن ذاتها ، إذ إن كثرة المراجع وتباينها، وأحيانا كثيرة لا منطقيتها، فعلت فعلها على المدى الطويل في تشكيل الصورة الذهنية/الرسمية/للمرأة عن ذاتها وعن الدنيا حولها ، وبتفصيل أكثر، تقول كلاديس: “إنها صورة غير نقية وغير ذاتية الاجتهاد لأنها ذات مصادر متعددة. إنها ليست نتيجة لفهمها لذاتها أو للتعبير عنها أو للحوار معها، إنما هي صورة رسمتها المراجع ، كما ساعد في نموها العنف الاقتصادي المشروع الذي أبعد المرأة لعهود طويلة عن إمكانية الملكية والتصرف فيها”

 

 وتصل الباحثة إلى استنتاج أن هذه الصورة المشوهة عن ذاتها التي تراها المرأة، في هذه المرآة، إنما هي نتيجة أيضا لنقص مرضي ومزمن في الحرية” مؤكدة أن ما نراه اليوم من حرية شكلية في بعض دول الوطن العربي إنما أتت بسبب طبيعة النظام السياسي وآيديولوجيته ومدى فهمه لعملية التطور الاجتماعي ولم تأت بشكل حيوي تاريخي ومن حاجتها الطبيعية والدفينة لهذه الحرية

 

وتفترض الباحثة أنه كي ينتقد عقل المرأة الواقع الحالي الثقافي، عليه أن يخرج من مرحلة المرآة وأن يتطلع بعيون صافية إلى هذا الواقع ولا تضمر كلاديس في هذا الافتراض اتهاما للعقل النسوي بالقصور موضحة: هو ليس قصورا بالمطلق، فملكات هذا العقل مذهلة، وقد عرفت أن تتكيف عبر الحقب مع كل أنواع العنف المشروع. لكن، ماذا نقول عن عملية حجب هذا العضو لقرون طويلة عن قدراته ووقفه تحت قانون العيب والأخلاق!” وتتابع: “لقد كانت المعرفة محتكرة من قبل الرجل لفترات تاريخية طويلة وفي الكثير من المجتمعات، فإذا انتفى عامل المعرفة انتفت معه القدرة على الحرية أو الحاجة إليها، وبالتالي الفسحة الطبيعية للنمو”

 

وترى كلاديس أن الخروج من مرحلة المرآة ترى يتطلب تعويضا معرفيا كبيرا لدى المرأة ومساحة حقيقية من الحرية لكي تعبر عن ذاتها ومخاوفها ورغباتها، وأن نصيغ قانونا يسمح لهذه البنية الجسدية والروحية لكي تعيش وفق معطياتها الطبيعية لا بحسب قوانين المجتمع الذكورية، وتمضي كلاديس إلى أبعد من ذلك في الدعوة إلى تفسير نسوي للكتب الدينية لا تفسيرا ذكوريا فقط لتستقيم الأمور ، وتقول: “ليس هناك مفخرة في أن تستنسخ المرأة المعاصرة ذاتها من الرجل وإنما عليها أن تكون كينونتها كما هي، كما أرادتها الطبيعة وليس بحسب رغبات المراجع ذات الدرجة الثانية. عندها فقط، يمكن لها أن ترى طريقها بصفاء وقدرة على التمييز”،

 

يجدر بالذكر أن كلاديس مطر ، درست الأدب الفرنسي في جامعة تشرين وتابعت دراستها الأكاديمية في أمريكا وقامت بترجمة أكثر من عشرين كتابا عن الإنجليزية، ولها الكثير من المجموعات القصصية والدراسات الأدبية والفكرية

popupsunsense